مسيرة "حقوق الحراطين"… مشاركة عن بعد

اثنين, 04/28/2014 - 03:50

رغم تصدر موريتانيا - في السنة الماضية - المرتبة الأولى عالمياً على أحد المؤشرات الدولية لممارسة العبودية، واعتبارها من قبل تقريرٍ لشبكة الـ"سي أن أن" الأمريكية في مارس 2012 "آخر معاقل العبوية"، واقتران كلمة العبودية باسمها على محركات البحث، لا زال الكثير من المواطنين يتجاهلون المسألة ويعتبرونها مقتصرة على بعض المخلفات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية؛ وأن الزمن كفيل بتجاوزها!.

 

ويبدو أن هذا الرأي هو الذي تبنته الحكومات الموريتانية منذ الإستقلال إلى اليوم، حيث اكتفت في الغالب بتبرئة نفسها من الناحية القانونية بحزمة من التشريعات (وقد تطلب منها تجريم هذه الظاهرة ما يقارب نصف قرن من الإستقلال).

 

ورغم أن سَن هذه التشريعات - في حد ذاته - يستبطن اعترافاً باستمرار الظاهرة، إلا أنه حتى ولو توقفت ممارسة العبودية بشكل مباشر، فإن القوانين المُدِينة والمُجَرمة لها لن تكون كافية لتجاوز تراكمات قرون من الاسترقاق والتهميش والظلم الاجتماعي. علينا أن نستفيد من تجارب البلدان التي مورست فيها العبودية؛ والتي - بالمناسبة، حسب رأيي - لم يُطو في أغلبها هذا الملف بالشكل المطلوب. فالدولة التي أكتب منها هذه الأسطر لا زالت فئة الأفارقة الآمريكيين فيها (التي تعبر نسبياً عن الأرقاء السابقين) تعاني واقعا مزرياً إذا ما قورنت بالآمريكيين البيض، ويكفيك مثلا أن هذه الفئة التي لا تصل إلى نسبة 10% من المواطنين (وهي النسبة التي لا تهدد مستقبل الدولة التنموي والسوسيو - سياسي كما هو حال موريتانيا) تشكل ما يقارب 50% من نزلاء السجون، ولا تزال نسبة الآمريكيين السود من الشباب في السجون تفوق نسبتهم في الجامعات بثلاثة أضعاف حسب تقرير لآسوشيتد برس 2007. فلا يمكن لنا إذن في بلد فقير، غير مستقر سياسياً، وهش في بنيته الإجتماعية، أن نترك الزمن يقرر مصير هذه المسألة؛ الأمر يتطلب أكثر من سن القوانين.     

 

ومن الملاحظ أن العديد من الكتاب و المدونين - للأسف - لا زال يعارض أي نشاط موجه لصالح التوعية بحقوق هذه الفئة؛ في تمييز إيجابي على المستويات التعليمية والإقتصادية والسياسية، أو في إطار مناهضة لمظاهر الظلم الإجتماعي. ومن الطريف الغريب أن من هؤلاء من يتذرع بأنه لا يريد المشاركة في أنشطة موجهة على أساس عرقي أو فئوي أو مناطقي، ومع ذلك تجده مدافعاً مخلصاً عن قضايا التمييز والتهميش التي يتعرض لها "العِرق" الذي ينتمي إليه في البلدان الأخرى (وليست قضية إقليم أزواد منا ببعيدة). كما يحاول البعض الآخر اختزال مقاربات القضاء على الرق ومخلفاته في عمل بعض المنظمات الدولية المهتمة بهذا الشأن وعلاقتها ببعض النشطاء الموريتانيين، متجاهلا بذلك الطابع الوطني المحلي الذي تأسس عليه نشاط هذه الفئة (والذي لم يشفع لها على ما يبدو) ولا زالت تعمل في إطاره في أغلب مكوناتها، وهو ما علق عليه الأستاذ محمد سالم و لد أعمر في كتابه عن الرق في موريتانيا، عند حديثه عن الأسس الفكرية التي قامت عليها حركة الحر (أولى الحركات النضالية في هذا الشأن) فقال: ""الحر" حركة وعي وطنية تستمد شرعيتها بشكل أساسي من المطلب الحقوقي الوطني، عكس أغلب الحركات السياسية التي ظلت امتدادا فكريا أو سياسيا لتيارات سياسية عالمية أو إقليمية، كما أنها تيار مدني لم ينخرط في أي تحالفات انقلابية ضد الأنظمة المتعاقبة، عكس أغلب الحركات السياسية في موريتانيا".

 

وأشير هنا إلى أنه على المهتمين بمحاربة الرق ومخلفاته من الحراطين أيضاً - وأرجو أن تكون هذه المسيرة فرصة لذلك - أن يعوا أهمية مشاركةِ الفئات الأخرى في هذا المطلب ومحاولةِ تبني خطاب سياسي وبِناء رؤى وطنية شاملة تُقنع معهم أعداداً أكبر من هذه الفئات وتُغير نظرتهم المحافظة تجاه هذه القضية، فالحل الأمثل لن يكون إلا بتضافر جهود الجميع وتقاسم مسؤولية التخطيط لتجاوز العوائق والنهوض بالبلد نحو التنمية والاستقرار. كما أن للمسألة جانباً اجتماعياً معقداً يحتم مشاركة أوسع هو الآخر، فإنه ورغم المخلفات الكبيرة والكثيرة لظواهر الظلم الإجتماعي، إلا أن أهم مخلفاتها تظل تلك التي تبقى عالقة في الذاكرة الجمعية، وتكمن هنا أهمية الدور التنويري المنتظر من الفقهاء (وهو الدور الذي لا زال ضعيفاً للأسف) والمثقفين ورجال السياسة بشكل أوسع. وغير بعيد من موضوع التخطيط والتنظير، أعتقد بأن النضال ضد الرق ومخلفاته وإن كان قديما - نسبياً - قدم الدولة الموريتانية، وأصيلا أصالة تطلع الإنسان للحرية، إلا أنه لا زال يفتقر حتى الأن إلى مقاربات نظرية تلامس جميع جوانب هذه المشكلة الوطنية وخطط عملية يتفق عليها المهتمون بهذا الملف، فالمسألة لا زالت تحتاج إلى العديد من البحوث والدراسات والرؤى الحزبية والحقوقية وربما العديد من الأيام التشاورية (بالنسبة للمولعين بقصر المؤتمرات)، وذلك من أجل تكوين رؤية شاملة حول الرق ومخلفاته تشخص الواقع بموضوعية وتأسس لمستقبل مبني على العدالة وتحقيق متطلبات التنمية والسلم الإجتماعي. 

 

ومن وجهة نظر تنموية، لا أعتقد بأنه يمكن حدوث استغلال أمثل للموارد البشرية إلا بالقيام بتمييز إيجابي تجاه هذه الفئة والرفع من المستويات التعليمية والثقافية والإقتصادية لها، وهو ما ستكون المشاركة الواسعة من جميع فئات هذا الشعب في مسيرة الثلثاء بحول الله فرصة للتأكيد عليه. 

 

وقد يقول البعض - محقاً ربما - بأن الفقر وتدني المستويات التعليمية سمة بارزة بين جميع فئات المجتمع (في دولة تصل نسبة الأمية فيها إلى 60%)، إلا أنه لا يخفى على أحد أن الأمر في هذه الفئة يبقى أوسع انتشاراً وأعمق جذوراً، ومؤشرات الحد من تأثيره لا زالت شبه معدومة، في ظل نظام اقتصادي وتربوي تعليمي يعاني من ضعف بنيوي عام، وهو أضعف ما يكون في آدوابه والكبات والتجمعات السكنية لهذه المجموعة. وأعتقد بأن المجتمع (والدولة) في هذا المجال كالأسرة، تعالج مريضها حتى يصح وتتعاون مع الضعيف أو الفقير من أبنائها حتى يتجاوز الشدة، ولا أرى أن التمييز الإيجابي ظلم آخر بهذا المعنى كما يقول البعض، فالواقع يفرض علينا العمل على ردم جزء من الهوة الكبيرة (والتي تتسع شيئا فشيئا) بين هذه الفئة مع  نظيراتها، وأن نبني وطناً تتآزر فيه وتتضافر جهود الجميع ويشعر كل فرد فيه بروح الإنتماء الوطني الكامل؛ فإذا كنتُ أريد منك أن تدافع عني وتموت دوني فعلي أن لا أتركك تصارع الفقر والتخلف والتهميش لوحدك.. وطالما أنه لم يُستشَر أحد منا في اختيار اللون الذي يحمل ولا الأسرة التي يولد فيها، فعلينا بدل أن يكون ذلك مسألة "حظ" تؤدي إلى معاناة البعض وشقائه، أن نجعل منه مصدر قوة وثراء وتنوع.